القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية نوردين – الفصل الثالث

رواية نوردين – الفصل الثالث

 الفصل الثالث

أتقابلنا قبل كده ..

قالها بابتسامة هادئة محاولاً فيها إخفاء سعادته والحفاظ علي هيبته الذكورية ،  قالت في استعلاء أنثوي أستشعر مدي سعادته .. علي ما أظن ولا كنني لا أذكر المكان .. لا بأس في تذكر الأماكن … قالها ولسان حالة يقول لا بأس مادامت الشخصيات قد حفرت في الذاكرة … أسامة .. نوردين … تفضلي من الواضح أن المكان مزدحم ، فهؤلاء خيمت عليهم وحدتهم فأتوا متفرقين علي الموائد مجتمعين في سبب مجيئهم .. جلست في هدوء أكثر من هذا الذي خيم علي المكان قائلة وعيناها تائهتان تتأمل جدران المكان .. لم يتغير منذ أن فارقته .. ثمان سنوات ولم يتغير شيء حتى هؤلاء البؤساء منهم من هو كما هو سوي أن زادت تجاعيد وجهه لتزيد البؤس بؤس ..

أحياناً تكون الأماكن أكثر وفائاً من الأشخاص ..

ماذا تشربين ؟ قلتها قاطعاً حوارنا العبثي الذي أتسم بالوجودية

أعتقد أن قهوتهم هنا من أفضل ما يقدمون .. قهوة سادة بعد أذنك … ناديت الجارسون قائلاً قهوة سادة واسبرسوا بعد أذنك.. كون الآخر قد فقد حرارته ..

أتأتي هنا كثيراّ ؟

آتي عندما أريد أن أنفصل عن ضجيج هؤلاء المساكين من المارة و موظفي الحكومة عن هؤلاء الذين يفنون حياتهم وهم معتقدون أنهم يعيشون حياه .

هؤلاء يفنون حياتهم في عبث يدرسون فيتخرجون فيؤدون خدمتهم العسكرية ، يتزوجون ،ينجبون ،فيموتون .. حقاً مساكين .. قالتها ونبرتها توحي بأن وراء ذلك الوجهة الملائكي ما يثير الفضول لمعرفته .

مضى اليوم بذكرة لم ينساها عقلي ولم تشفي من رقتها روحي ، احتلت كياني كما تحتل رصاصة القناص  رأس الفريسة ، مضت وتركت ذكري لن يستطيع الزمن أن يمحوها .

أنهي فنجان قهوته وحدثته نفسه كان عليك أن تبقي ولا تتركها ، ردت نفسه علي نفسه  بل هي من تركتني .

كان عليك أن تتشبث بها فهي من استطاعت أن تري تجاعيد نفسك ولملمت فتات روحك بعد تيه تجاوز في مدته تيه بني إسرائيل … قام من مجلسه العتيق ليتصفح مذكراته .. هذه صفحة كتباها سوياً بمواقفهما وهذه حين صارحها بحبه وهذه حين مشي تحت المطر وهذه حين قررا الخطبة وهذه وهذه وهذه ….. نزلت دمعة رغماً عنه ،  دمعة تحمل ألم الفراق وحنين الاشتياق .

هل يا تُرى مازالت تكابد آلام الفراق ؟

أمسك بهاتفه الذي أُغلق منذ زمن ، أخرج رقمها وبرعشة مرتجفه من يده ضغط علي زر الاتصال .

تمني أن تكون بمصر ولم تغادر  ، تمني أن يكون هاتفها كما هو .

رنين الهاتف كان كفيل أن يُخرج قلبه من ضلوعه ؛  يا تُري ستجيب أم لا ؟ نوردين .. أسامة..

أمازلت علي قيد الحياة ،  صمت … في محاولة منه لملة كيانه وروحة أنا بخير .

أنا عرفت من أحمد زميلك أنك تركت عملك في المستشفي وأنك أغلقت عيادتك ولم يعد أحد يراك منذ مدة طويلة.  أشتقلك … قالها في ارتجاف وغلب علي نبرته البكاء … تنهدت قائلة ماذا بك ؟ هقابلك كمان ساعة في المكان ذاته.

لم ينتظر ردها أغلق الهاتف في محاولة منه لسلب قدرتها علي الاختيار ، وكأن الروح قد دبت فيه .

بعض قطرات الماء علي وجهه وشعره ، ارتدي ملابسه حاول أن يهندم من نفسه في محاولة منه أن يبدوا أنيقاً نزل مسرعاً من شقته محملاً بشوق اللقاء ، نظر لسيارته وأستثقل القيادة وسط هذا الكم من الزحام .

قال لتاكسي يقوده رجل في منتصف الأربعينيات ؛  شارع فؤاد ،  أجابه أركب يا بيه .

قال السائق شكلك ابن ناس  ،  ابتسامه باهته ونفسه تقول تباّ لاستنقاصكم أنفسكم أيها الفقراء أنتم من تجعلون الناس تتكبر عليكم ، أنتم من تجعلونهم يتكبرون ويطغون ويظلمون ، أهناك أولاد ناس وأولاد كلب .

منذ زمن وأنا لم أتعامل مع البشر ، فكان من الصعب علي توبيخه وإعطاءه درساً في الكرامة والحرية كما هي عادتي.

شرد في المارة ، قال مازلتم كما أنتم ،  مازلتم تظنون أنكم أحياء ، وددت لو أستطيع أن أصرخ فيهم وأقل لهم أفيقوا أيها العبيد أفيقوا واجلدوا سجانيكم .. ثوروا ..انتزعوا حريتكم .

وصل إلي شارع فؤاد وألقي للسائق فتات المال الذي يريده  .

تتسارع دقات قلبه وتكاد تسبقه ،  دخل المكان الذي جمعهم دوماّ .. نفس النقوش التي تملئ الجدران .. نفس كل شيء ..لا بأس لا بأس … سأنتظر حتى تأتي .

أستقل طرابيزته المعتادة المطلة علي المبني الأثري وباب الدخول .

تكاد تخنقه لحظات الانتظار بل تكاد تقتله قتلاً احترافياً

. أنتظر وأنتظر وأنتظر ؛  ولكنه كان علي يقين أنها ستأتي ؛ من أين أتي به هو نفسه لا يعرف .

تعليقات